الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

404

تفسير روح البيان

انما يكون بان يفعل الساحر شيأ يعجز عن فعله وإدراكه المسحور عليه وفي كتاب اختلاف الأئمة السحر رقى وعزائم وعقد تؤثر في الأبدان والقلوب فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه وله حقيقة عند الأئمة الثلاثة وقال الامام أبو حنيفة رحمه اللّه لا حقيقة له ولا تأثير له في الجسم وبه قال أبو جعفر الاسترآبادي من الشافعية * وفي شرح المقاصد السحر اظهار امر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة اعمال مخصوصة يجرى فيها التعلم والتعليم وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة وبأنه لا يكون بحسب اقتراح المقترحين وبأنه يخص الأزمنة أو الأمكنة أو الشرائط وبأنه قد يتصدى المعارضة ويبذل الجهد في الإتيان بمثله وبان صاحبه ربما يعلن بالفسق ويتصف بالرجس في الظاهر والباطن والخزي في الدنيا والآخرة وهو اى السحر عند أهل الحق جائز عقلا ثابت سمعا وكذا الإصابة بالعين وقال المعتزلة بل هو مجرد إراءة مالا حقيقة له بمنزلة الشعوذة التي سببها خفة حركات اليد أو إخفاء وجه الحيلة وفيه لنا وجهان الأول يدل على الجواز والثاني يدل على الوقوع اما الأول فهو إمكان الأمر في نفسه وشمول قدرة اللّه تعالى فإنه هو الخالق وانما الساحر فاعل وكاسب وأيضا فيه اجماع الفقهاء وانما احتلفوا في الحكم واما الثاني فهو قوله تعالى يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ إلى قوله فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وفيه اشعار بأنه ثابت حقيقة ليس مجرد إراءة وتمويه وبان المؤثر والخالق هو اللّه تعالى وحده فان قيل قوله تعالى في قصة موسى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى يدل على أنه لا حقيقة للسحر وانما هو تمويه وتخييل * قلنا يجوز ان يكون سحرهم هو إيقاع ذلك التخييل وقد تحقق ولو سلم فكون اثره في تلك الصورة هو التخييل لا يدل على أنه لا حقيقة له أصلا * ثم إن السحر خمسة أنواع في المشهور منها الطلسم قيل هو مقلوب المسلط وهو جمع الآثار السماوية مع عقاقير الأرض ليظهر منها امر عجيب ومنها النيرنج قيل هو معرب « نيرنك » وهو التمويه والتخييل قالوا ذلك تمزيج قوى جواهر الأرض ليحدث منها امر عجيب ومنها الرقية وهو الافسون معرب « آب سون » وهو النفث في الماء وسمى به لأنهم ينفثون في الماء ثم يشربونه أو يصبون عليه وانما سميت رقية لأنها كلمات رقيت من صدر الراقي فبعضها فهوية وبعضها قبطية وبعضها بلا معنى يزعمون أنها مسموعة من الجن أو في المنام ومنها الخلقطيرات وهي خطوط عقدت عليها حروف وإشكال اى حلق ودوائر يزعمون أن لها تأثيرات بالخاصية * ومنها الشعبذة ويقال لها الشعوذة معرب « شعباذة » اسم رجل ينسب اليه هذا العلم وهي خيالات مبنية على خفة اليد وأخذ البصر في تقليب الأشياء كالمشي على الإرسال واللعب بالمهارق والحقات وغير ذلك والمذهب ان التأثير الحاصل عقيب الكل هو فعل اللّه تعالى على وفق اجراء عادته ووجه الحكمة فيه لا يعلمه الا هو سبحانه قال الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر في الفتوحات المكية ان التأثير الحاصل من الحروف وأسماء اللّه تعالى من جنس الكرامات اى اظهار الخواص بالكرامة فان كل أحد لا يقدر على الاستخراج خواص الأشياء فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ الفاء فصيحة اى فالقاه فوقع ما وقع